الفصل الرابع : قاضي التحقيق
مساعد لإدارة أمن الدولة
1.4- عندما
يتخلى التحقيق عن واجباته
إنّ المطلع
على الأبحاث وأعمال التحقيق
المجراة في القضية سواء
بمناسبة ملف التحقيق
عدد 2815
أو الملف عدد 3391 يتّضح له
بجلاء خطورة الانتهاكات
الإجرائية التي ارتكبت
بداية من
قرار افتتاح الأبحاث
و التتبع حتى قرار ختم
البحث ذلك أن الملف عدد
2815/2 أحيل على
قاضي التحقيق العسكري
بالمكتب الثاني بموجب
قرار فتح بحث صادر عن وكيل
الدولة لدى
المحكمة العسكرية بتاريخ
24/12/1990 وقد أعطى قاضي التحقيق
المتعهد في نفس
يوم إحالة الملف على مكتبه
إنابة لفرقة من غير أعوان
الضابطة العدلية أو العسكرية
المخوّل له الاستعانة
بهم في حين تعمد قاضي التحقيق
بالمكتب الأول إعطاء
إنابة لنفس
الفرقة في نفس اليوم الذي
عهد له فيه بالبحث في الملف
يوم 24/04/1991 في خرق
واضح لأحكام الفصل 75 من
مجلة الإجراءات الجزائية
الذي خوّل إصدار إنابة
في حالة
ما إذا تعذّر على قاضي
التحقيق إجراء بعض الأعمال
بنفسه كما اقتضى أن تكون
الإنابة محددة وخاصّة
لإنجاز عمل معيّن تعذّر
على القاضي إنجازه وقد
استقرّ
الرّأي عند فقهاء القانون
إلى اعتبار الإنابة العامة
تخل من المحقّق عن سلطته
إلى
مأمور لا تتوفر فيه كلّ
الضّمانات المطلوبة ممّا
يفقد أعمال التحقيق كلّ
شرعيّة
ومصداقيّة ويحوّله إلى
عمل شكلي لا فائدة ترجى
منه. في حين إتجه المشرّع
التونسي إلى ضبط الإنابة
حفاظا على حسن سير القضاء
و حماية لمصلحة المتهم
الشرعيّة
كما أوجب أن تكون الإنابة
خاصّة بأن يعين أمر الإنتداب
الأعمال المطلوب إجراؤها
بدقّة فلا يجوز لقاضي
التحقيق أن ينتدب أحد
مأموري الضابطة العدليّة
أو العسكريّة
لتحقيق جريمة أو لعمل
إجراءات التحقيق التي
يرى لزومها لظهور الحقيقة
وهو ما يتعارض
مع روح القانون الذي يرى
في التحقيق أهمّ ضمان
لحسن سير القضاء. وهو ما
لم يمنع
قاضي التحقيق من التخلي
عن واجباته حال إحالة
ملف الأبحاث على مكتبه
كما لم يمنعه
من إعطاء إنابة عامّة
و غير مقيّدة لأعوان من
غير أعوان الضابطة العدليّة
العسكريّة
المساعدون له طبق أحكام
مجلة المرافعات و العقوبات
العسكريّة و لا لأعوان
الضابطة
العدليّة و الحال أنّ
أعوان إدارة أمن الدولة
لا يتوفّرون على صفة الضابطة
العدليّة
أو العسكريّة و هي إدارة
فاقدة لكلّ وجود قانوني
يخوّل لها إجراء الأبحاث
و
الإستقراءات و قد كشفت
الإجراءات المتبعة في
الملف أنّ الإدارة المذكورة
لم تكن
مساعدة لقاضي التحقيق
و لا هي أجرت الأبحاث بمقتضى
إنابة منه و لا هي تقيّدت
بها
بل كانت المهيمنة على
كلّ كبيرة و صغيرة في الملف
كما كشفت أنّ الإحالة
على
التحقيق لم يكن أكثر من
عمل شكلي ناهيك أنّها
واصلت أعمال الإيقاف
و الحجز و البحث
دون إذن قضائي حتى بعد
الإحالة المذكورة كما
أنّها واصلت استنطاق
المظنون فيهم (دون
إذن قضائي كذلك) حتى بعد
حضورهم و سماعهم من طرف
التحقيق في مخالفة صريحة
لأحكام
القانون بل وصل الأمر
بقاضي التحقيق بالمحكمة
الإبتدائيّة بتونس (المنوبي
حميدان)
لاتخاذ قرارات بالإفراج
عن بعض الموقوفين دون
أن يطلب منه أحد من المعنيّين
ذلك حتى
يفتح المجال أمام أعوان
إدارة أمن الدولة لإخراج
الموقوفين من السجن
و نقلهم
لجهات مجهولة لبحثهم
و تعذيبهم وهو ما يؤكّد
أنّ قرار الإفراج المزعوم
إتّخذ تنفيذا
لتعليمات الإدارة المذكورة
و برغبة منها و يذكر في
ذلك على سبيل المثال حالات
السادة الدكتور الصادق
شورو و عبد الله الزواري
و عبد الكريم المطوي...
2.4-
إنابة تكميليّة تكرّس
هيمنة إدارة أمن الدّولة
على سير التحقيق
بمراجعة
قرار دائرة الاتّهام
عدد 33315 بتاريخ 28/05/1991 يتضح
أنّه اعتمد في إبطال
قرار ختم البحث عدد 2815 على
ما إدّعته الدائرة من
سهو حاكم التحقيق على
التنصيص
على تاريخ استنطاق أحد
ذوي الشبهة(57)
(علما وأنّ الخلل المذكور
يمكن أن يبرر الإبطال
إذا أرادت إدارة أمن الدولة
ذلك كما
يمكن لنفس المحكمة اعتباره
خللا جزئيا لا تأثير له
على الفصل في القضية وهو
ما يؤكد
خطورة ما حصل من تلاعب
في الإجراءات...).
وعلى وقوعه
في
خطأ في إعطاء الوصف القانوني
الحقيقي لبعض الأفعال
ومن أجل إجراء المكافحات
والأعمال اللاّزمة لكشف
الحقيقة
وكان من المفروض أن تقف
حدود عمل حاكم التحقيق
عند ذلك الحد وأن ينجز
ما تم تكليفه
به بنفسه لأنّ سلطته على
الاستقراء في الملف أضحت
مقيدة بوصفه يقوم بدور
المقرّر
لدى دائرة الاتّهام ليس
إلا كما كان من المفروض
أن لا يتجاوز أعماله الحدود
التي
ضبطت له بموجب قرار الدائرة
فلا يتجاوز تصحيح ما ورد
فيه من إخلالات أو إجراء
ما
طلب منه من معاينات ومكافحات
أو الوصف القانوني لإحدى
الأفعال والجرائم كلّ
ذلك في
إطار قرار ختم البحث الصّادر
عنه موضوع الإبطال والذي
اكتسى في حق المتّهمين
المحالين صفة القرار
القضائي الباتّ لعدم
الطعن فيهبالإستئناف
من طرفهم
ومن طرف النّيابة وكان
من المفروض جدا أن يصحّح
قاضي التحقيق ما شاب قرار
ختم
البحث موضوع الإبطال
بما شمله من المتّهمين
وبما انتهى صلبه من قرارات
سواء بتوجيه
الاتّهام أو الحفظ ليرجع
القرار المذكور بعد تجاوز
الإخلالات التي طلب منه
تجاوزها
وإنجاز الأعمال التي
طلب منه إنجازها لدائرة
الاتّهام لتنظر فيه مرّة
ثانية ولم يكن
مخوّلا مطلقا لقاضي التحقيق
المكلّف بإجراء بعض الأبحاث
التّكميليّة طبق أحكام
الفقرة الثالثة من الفصل
116 من مجلة الإجراءات الجزائية
إصدار قرار ختم بحث
جديد كما لم يكن مخوّلا
له قانونا أن يحيل بمناسبة
البحث التكميلي الذي
عهد له
به من لم يكن مشمولا في
القرار موضوع الإبطال
ولا هو مخوّلا له التّخلي
لفائدة
محكمة أخرى عمّن شمله
قرار ختم البحث وأضحت
الإحالة باتة في حقّه
لعدم الطعن في
القرار من طرفه أو من طرف
النيابة كما لم يكن مخوّلا
له توجيه تهم جديدة أو
التعديل
في التهم الموجهة بالتشديد
أو التخفيف لأيّ محال
ما لم يكن ذلك موضوع تكليف
صريح
من طرف دائرة الاتّهام
كما لم يكن مخوّلا له مطلقا
التخلي عن دوره لفائدة
أي إدارة
أو أي طرف آخر لأنّه لم
يعد بعد إحالة قرار ختم
البحث على دائرة الاتّهام
صاحب
القرار في الملف كما لم
تعد له السلطات التي كان
يتمتّع بها قبل صدور القرار
المذكور بل أضحى مقيّدا
لأنّه لا يمسك الملف كقاضي
تحقيق متعهّد بالبحث
والاستقراء
بل يمسكه بموجب إذن خاص
مثله مثل أي مستشار لدى
الدّائرة وليس له أن يوكل
لغيره ما
عُهد له به بمقتضى الإذن
المذكور ولكن السيد المحقّق
تغافل عن كلّ ذلك وتجاهل
أبسط
مقتضيات القانون والإجراءات
ونسي حدود دوره ومناط
الإذن الصّادر له فسارع
بإمضاء
إنابة جديدة(58) !!!
(سمّاها إنابة تكميليّة
ولكم أن تبحثوا فيمجلة
الإجراءات الجزائية عن
سند قانوني لمثل هذه الإنابة)
وأعطى لإدارة أمن الدولة
بل وصادق على ما تقوم به
من أعمال وأبحاث خارج
إطار القضاء
والقانون حتى وصل الأمر
بعد طول انتظار إلى إصدار
قرار ختم ثان في القضيّة
التي
أضحت موضوع قراري ختم
بحث مختلفين عن بعضهما
ففي حين كان عدد المحالين
على
دائرة الاتّهام في القرار
عـ2815ـدد الصّادر يوم 08/04/1991
مائتان وواحد
وأربعين مواطنا أضحى
عدد المحالين في القرار
عـ2815ـدد الصّادر يوم
29/05/1992 مائة وثمانية فقط دون
أن تحفظ التّهمة في حقّ
من لم تشمله الإحالة
في القرار الجديد ( و إن
كان ذلك غير جائز قانونا)
كما أضحى القرار الجديد
يشمل
عناصر لم تكن محل إحالة
في القرار موضوع الإبطال
ولا ندري على أيّ نصّ قانوني
تأسّس ذلك في حين لم ير
قاضي التحقيق مانعا من
التخلي عن البعض ممّن
شمله قرار ختم
البحث لفائدة قاضي تحقيق
آخر على ذمّة قضايا أخرى
والحال أنّ قرار ختم البحث
أضحى
باتا في حقّه ولكم أن تتساءلوا
معنا هل يجوز قانونيا
التخلي عن متّهم وإخراجه
من
نطاق التداعي في قضيّة
بعد صدور قرار ختم بحث
في حقّه لم يطعن فيه أيّ
طرف باستئناف!!
ولم يكتف قاضي
التحقيق بذلك بل تخلّى
عن بعض المتّهمين في قرار
ختم البحث الذي وجّهه
إلى دائرة
الاتّهام يوم 08/04/1991 لفائدة
قاضي تحقيق ثان وجّه له
تهما أشدّ من التّهم التي
وُجّهت له بموجب القرار
المذكور كما ضمّ القرار
ملفات عناصر كانت مشمولة
بالبحث في
قضايا أخرى محلّ نظر أمام
القضاء بعد صدور قرار
ختم البحث المذكور من
ذلك على سبيل
الذكر لا الحصر أنّ محمد
شمّام كان مشمولا بالإحالة
ضمن قرار ختم البحث عدد2815
الصّادر بتاريخ 08/04/1991 موضوع
قرار الإبطال الصادر
عن دائرة الاتّهام تحت
عدد33315 ليتخلّى عنه قاضي
التحقيق المتعهّد بالملف
بعد إرجاع الملف بموجب
قرار
الإبطال لفائدة قاضي
التحقيق بالمكتب الأوّل
بنفس المحكمة من أجل اتّهامه
بارتكاب
نفس الأفعال والتّهم
(59)!!!
في حين وجد
النّقيب محمد نجيب اللّواتي
نفسه على ذمّة مكتب التحقيق
الأوّل بتهمة الاعتداء
المقصود به تبديل هيئة
الدّولة
وتحريض العسكريين على
الإنتماء إلى جمعية ذات
طابع سياسي في حين أنّه
أحيل على
دائرة الاتّهام بمقتضى
قرار ختم البحث عدد 2815 بتهمة
المشاركة بعدم الإعلام
و
الإنتماء إلى جمعيّة
غير مرخّص فيها والفرق
واضح بين التهمتين والعقوبات
المستوجبة. أمّا محمد
القلوي والأزهر مقداد
فلم يكونا أسعد حظّا من
سابقيهما
إذ بعد أن أحالهما قاضي
التحقيق بالمكتب الثاني
بموجب قرار ختم البحث
عدد 2815
يوم 8/04/1991 على دائرة الاتّهام
من أجل اتّهامهما بارتكاب
جريمة الانضمام
إلى جموع مسلّحة وهو على
علم بمقصدها والانتماء
إلى جمعيّة غير مرخّص
فيها وجدا
نفسهما دون أن يطعنا بالاستئناف
في القرار المذكور الذي
لم تطعن فيه كذلك النّيابة
محالين على قاضي التّحقيق
بالمكتب الأوّل لاتّهامهم
بارتكاب جريمة الإعتداء
المقصود به تبديل هيئة
الدّولة كفاعلين أصليّين
وقد تمّ إخراجهم من الملف
عدد
2815 بموجب قرار تخلّي صدر
بعد صدور قرار ختم البحث
الذي أضحى قانونيا باتا
في
حقّهما أمّا الصّادق
شورو وعبدالكريم المطوي
وعلي الإصبعي وعبد الله
الزّواريوالمرحوم سحنون الجوهري
فقد كانوا قبل صدور قرار
إبطال قرار ختم البحث
عدد
2815 محل تتبّع أمام قاضي التحقيق
بالمحكمة الإبتدائيّة
بتونس المتعهد بالملف
عدد 62950 من أجل اتّهامهم
بارتكاب جريمة تكوين
عصابة قصد الاعتداء على
الأشخاصو
الأملاك
طبق أحكام الفصلين 131 و 132
من المجلة
الجنائيّة وبعد أن استفادوا
من قرار صادر من حاكم التحقيق
المذكور بالإفراج عنهم
من
سجن إيقافهم وجدوا أنفسهم
دون أن تطأ أقدامهم عتبة
السجن ماثلين أمام التحقيق
العسكري المكتب الأوّل
بالنسبة لبعضهم و المكتب
الثاني بالنسبة للآخرين،
أمّا
الدكتور محمد التومي
بن نجمةفلقد مرّ منذ
إيقافه يوم 17/02/1991
على عدد من مكاتب التّحقيق
إذ أوقف على ذمّة الأبحاث
المجراة في قضيّة باب
سويقة وعرضت التّلفزة
تصريحا مصوّرا له من مركز
إيقافه على أنّه مورّط
في القضيّة
المذكورة ولمّا برّأته
الأبحاث منها أحيل على
قاضي التحقيق المتعهد
بالبحث في
القضية عـ62950ـدد ثمّ
ليجد نفسه أخيرا أمام
القضاء العسكري من أجل
الجريمة
المنصوص عليها و على
عقابها صلب الفصل 72 منالمجلة
الجنائيّة.
وقد كان عدد
أكبر ممّن تمّ ذكرهم أيضا
عرضة لمثل هذه التّجاوزات
والتعديات التي يعجز
العقل
البشري أحيانا عن توقّعها
الأمر الذي يؤكّد بصفة
قطعيّة أن العلوية في
مثل هذه
الأعمال لم تكن لأحكام
القانون ومقتضياته بل
لإدارة أمن الدولة وقراراتها
إذ كان
لها وحدها حقّ تحديد من
يحال ومن لا يحال وكيف
ومتى يحال كما كان لها
أن تصدر
القرار ونقيضه في حقّ
من تشاء وكيف تشاء.
ولا غرابة
بعد
ذلك أن تستعين دائرة الاتّهام
مباشرة بإدارة أمن الدولة
لإجراء بعض الأبحاث
التكميلية في أحد الملفات
المعروضة عليها كما أنّه
لا غرابة بعد ذلك أن تعمد
إحدى
هيئات المحاكم على إعطاء
إنابة عدلية لأعوان الإدارة
المذكورة أو لغيرهم لبحث
واستنطاق متّهم حضر أمامها
للاعتراض على حكم غيابي
صادر ضدّه إذ أثبتت مجريات
الأمور في هذه القضيّة
أنّ كلّ شيء جائز في مثل
هذه الملفّات.