5551.jpg

Ch11

الباب الرابع : أحكام سياسيّة فاقدة لأيّ أساس قانوني واقعي

* سجّل المحامون النائبون أنّ الأحكام الصادرة في القضيّتين عـ76110ـدد و عـ76111ـدد كانت حاملة في طيّاتها لما يثبت براءة المحكوم عليهم من التهم الموجّهة لهم كما جاءت مقرّة لحصول العديد من الإخلالات الإجرائيّة الخطيرة.

الفصل الحادي عشر : المحكمة تثبت حصول تجاوزات و إخلالات خطيرة

1.11-  إثبات خرق آجال الإحتفاظ و الإيقاف التحفظي

بردّها على ما تمسّك به المحامون من خرق باحث البداية لأحكام الفصل 13 مكرّر من م إ ج و تجاوز مدّة الإحتفاظ و الإيقاف التحفظي للآجال المسموح بها قانونا أثبتت المحكمة حصول التجاوز المذكور بقولها "غير أنّه و بالإطلاع على كامل وثائق القضية ... إتّضح أنّه وقع احترام مدّة الإحتفاظ القانونيّة بالنسبة لغالبيّة المتهمين الموقوفين و إن ظهرت بعض التجاوزات المحدودة فإنها لا تمسّ جوهر الموضوع... و أنّها ترجع مسؤوليّتها على من قام بها بصفة شخصيّة(92)" في حين ردّت المحكمة بمناسبة الحكم عـ76111ـدد على ذلك الطعن بقولها "و حيث أنّ الدفع المؤسّس على مدّة الإحتفاظ و الإيقاف التحفظي إعتمدا على مقتضيات الفصل 13 مكرر من م إ ج فقد تبيّن بالإطلاع على دفتر الإيقاف و محاضر الإستنطاق وجود إحترام لمدّة الإيقاف بالنسبة للعديد من المتهمين كما تبيّن وجود بعض التجاوز بالنسبة للبعض الآخر على أنّ هذا التجاوز لا يعتبر من قبيل المبطلات الوارد تعدادها بالفصل 139 من  م إ ج(93)..."    

2.11- إثبات حصول التعذيب حتى الموت

بمصادقتها على أنّ بعض المظنون فيهم توفّوا أثناء الأبحاث و بإقرارها صراحة أنّ الإختبارات الطبيّة المجراة بإذن منها أكدت وجود آثار عنف على بعض المتهمين و إن ادّعت أنّه يتعذر عليها لما أحاط بها من غموض اعتمادها(94) و حين اعتبرت المحكمة بمناسبة الحكم عـ76111ـدد "أنّه و إن ثبت وجود بعض آثار التعذيب فلا يمكن الجزم بوقوعها أثناء التحقيق(95)" و الحال أنّ المشرّع التونسي حدّد شروط الإعتراف و أهميته كما ضبط آثار الإكراه فلقد جاء في الفقرة الأخيرة للفصل 70 من م إ ج أن إقرار ذي الشبهة لا يغني حاكم التحقيق عن البحث عن براهين أخرى و قد جاءت هذه الفقر ة بعد أن أكد المشرّع على أن الإستنطاق يجب أن يتيح لذي الشبهة فرصة إبعاد التهمة عنه أو الإعتراف بها و إذا أبدى أدلة تنفي عنه التهمة فيبحث عن صحتها في أقرب وقت.

و قد وضع المشرع هذه القاعدة بعد أن حدّد صلب فصول سابقة و لاحقة الضمانات القانونية الكافية حتى تتوفر لذي الشبهة فرصة التصريح بحقيقة ما هو مقتنع به من تحديد لمدة الإحتفاظ به إلى تحريم الإعتداء عليه لحمله على الإعتراف إلى تمكينه من حق انتداب محام للحضور معه عند التحقيق و غيرها من الضمانات التي وفّرها المشرّع حماية لمصلحة المتّهم الشرعيّة.

و قد إستقرّ فقه القضاء على التأكيد أنّ الإعتراف المجرد في المادة الجزائيّة لا قيمة له قانونا إن لم يتعزّز بقرائن خارجية تؤكده خاصّة إذا ما تراجع المتهم في ما سجل عليه من اعترافات و أن الإعتراف الذي يعوّل عليه القاضي هو الإعتراف الإختياري الذي أقرّ به المتهم بملء إرادته. و لقد أثبت رجال القانون أنّه من المبادئ الأساسيّة في الإثبات الجنائي عدم التزام القاضي سلوك طريق واحد في تحرّي أدلة الإدانة و البراءة إذ للقاضي الحرية المطلقة لتكوين عقيدته فيكون بذلك هو الخبير الأعلى في كلّ ما يطرح أمامه من أدلة و ما يعرض له من قرائن و هذا لا يحول دونه و دون الإستعانة بأهل الخبرة في ما عرض له من مسائل و حيث عرفت الإتفاقيّة الدوليّة لمناهضة التعذيب و المعتمدة من طرف الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في القرار 39/46 المؤرخ في 10 ديسمبر 1984 و الذي صادقت عليه بلادنا بأنه "عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو عقليا يلحق بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو اعتراف". و بعد أن تمّ عرض بعض المتّهمين على الفحص الطبي الذي أثبت وجود آثار عنف بأجسام غالبيّتهم كما ثبت من خلال الشهائد المضافة حصول أضرار لهم بفعل آلات حادة حسبما جاء في التقارير الطبية و متى أمكن للمظنون فيه الإستدلال على ما حصل له من خلال الآثار الظاهرة ببدنه أو من خلال الآثار النفسية و العقلية التي تلحقه و بما أنّه من الثابت كذلك من خلال ما جاء على لسان المتهمين في الجلسة و ما أكده قرار دائرة الإتهام و ما دعمه تقرير لجنة تقصّي الحقائق التي بعثها رئيس الدولة حصول تجاوزات عند استنطاق المتهمين مما أدى إلى وفاة بعضهم(96) فإنّ تلك الحجج لا تترك مجالا للشك في ثبوت ما ادعاه المتّهمون من تعرضهم للإعتداء المادي و المعنوي حتّى و إن تمسّك الخبراء المنتدبين بعدم القدرة الفنية على تحديد تاريخ ما لوحظ على أبدانهم من آثار مع أنه يجوز للمحكمة أن تستشف من محتوى التقارير الطبية ما تراه منسجما مع مقتضيات الواقع علما و أنه لا يعقل البتة التعذر بعدم القدرة على تحديد تاريخ حصول الأضرار و الحال أن الطب الشرعي وصل إلى مرحلة متطورة جدّا مكنته لا من معرفة تاريخ ما يعلق بالبدن من آثار فقط بل و كذلك تحديد تاريخ الوفاة و أسبابها حتّى و إن تحللت الجثة و لم يبق منها إلا جزء يسير من العظام.

3.11- الحكم على ضوء محاضر باطلة 

* بناءا على ما جاء في الإتفاقية الدوّلية لمناهضة التعذيب في مادّتها 15 "تضمن كلّ دولة طرف عدم الإستشهاد بأيّة أقوال يثبت أنّه تمّ الإدلاء بها نتيجة للتعذيب كدليل في أيّة إجراءات"

ü      و على ما نصّ الفصل 199 من م.إ.ج " من بطلان كلّ الأعمال المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو للقواعد الإجرائيّة الأساسيّة أو لمصلحة المتهم الشرعيّة "

ü      و على ما نصّ عليه الفصل 103 من المجلة الجنائيّة على معاقبة كلّ من يباشر بنفسه أو بواسطة غيره ما فيه عنف أو سوء معاملة ضدّ متهم أو شاهد أو عريض للحصول على الإقرار كما عاقب على التهديد بالعنف أو سوء المعاملة.

ü      و على ما استقرّ عليه فقه القضاء التونسي من عدم اعتبار كلّ اعتراف تمّ العدول عنه      و ثبت أنه انتزع من صاحبه تحت الإكراه و على ما اتفق عليه فقهاء الشريعة و القانون منذ أمد بعيد إذ و إن اشترط مالك و الشافعي أن يكون الإقرار مرّة واحدة فإنّ أبي حنيفة      و أحمد اشترطا أن يكون الإقرار في أربع مجالس. كما اشترطوا جميعا أن يكون (الإقرار) مفصلا مبيّنا لحقيقة الفعل بحيث تزول كل شبهة.  كما يشترط أن يكون (الإقرار) صحيحا صادرا عن عاقل مختارا لأنّ المكره و المجنون لا حكم لكلاهما و قد روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم "رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه"  كما أكد الفقهاء أنه لا يصحّ للقاضي أن يحتال للحصول على الإقرار و ليس له أن يشجّع المقر على الإقرار بل و لا بأس أن يظهر الكراهة للاقرار.

كما اشترط بعضهم أن لا يأخذ بالإقرار إلا إذا كان في مجلس قضاء و إذا كان في غير ذلك وجب وجود شهود على ذلك و يجوز الرجوع في الإقرار حتى بعد القضاء سواء بصفة صريحة أو ضمنيّا. و لقد قال الرسول عليه الصلاة و السلام "إدرأوا الحدود بالشبهات" كما قال ادفعوا الحدود ما استطعتم و أخرج الترمذي و الحاكم و البيهقي من حديث لعائشة رضي الله عنها "إدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإنّ الإمام لئن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

و هو ما عاضده رأي فقهاء القانون القائل "ببطلان الإعتراف المنتزع" من ذلك ما أكده جندي عبد الملك من "أنّ الإعتراف لا تكون له قيمة إذا انتزع من المتهم بطريق الإكراه المادّي أو الأدبيّ".

كما اتفقت كلّ التشاريع على تعيّن جزاء التعذيب و الإكراه الماديّ و المعنوي على مستويين مستوى أول وهو مستوى الجزاء الجنائي و مستوى ثان هو مستوى الجزاء الإجرائي. و لا شك أنّ أهمّ ما يترتّب عن التعذيب أو ما يصدر تحت وطأته أو تحت وطأة التهديد به هو الإعتراف فإذا ما صدر مثل هذا الإعتراف فإنه يكون باطلا أي يهدر و لا يعوّل عليه و لا يقتصر البطلان في هذه الحالة على الإعتراف بمعناه الفنّي فقط بل أنّه يسحب على كلّ ما يصدر عن الفرد من أقوال أو أفعال لا يمكن اعتبارها دليلا ضدّه كما لو أرشد عن أشياء لا  تعتبر حيازتها أو إحرازها بمثابة الدليل ضدّه و ذلك ليس إلا تطبيقا للأصل العام من أصول الشرعيّة الإجرائيّة وهو أنّ كلّ ما يترتّب على الباطل يكون باطلا و ذلك لأنّ من شروط صحّة الإعتراف أن يكون ناتجا عن إرادة حرّة.

و لتحديد نوع البطلان لا بدّ من الرجوع أوّلا لأحكام الفصل 199 من م.إ.ج الذي يوجب بطلان كلّّ الأعمال المنافية لقواعد النظام العام، لللإجراءات الأساسية، لمصلحة المتهم الشرعية.

و السؤال الذي يجب أن يطرح هو هل أنّ الحصول على إعتراف المتهم بغير ما رسمه القانون ينطوي على مساس بالأحكام المتعلقة بإجراء جوهريّ أم لا ؟

لا شك في أن الإعتراف المسجّل على المتهم إثر اكراه ينطوي على مساس خطير بإجراءات جوهريّة وهو ما يجعله باطلا بطلانا مطلقا لا عليه يعوّل و لا به يعمل و متى ثبت التعذيب فلا يهمّ إن كان بقدر يسير أو ضئيل لأنّ كلّ قدر من التعذيب يكفي للإعتداء على إرادة المتهم     و تبعا لذلك فإن التمسّك بالبطلان المطلق لا يسري فقط على من تقرّرت لصالحه القاعدة التي بسبب مخالفتها وقع البطلان و إنّما يجوز لكل ذي صفة أن يتمسّك بهذا البطلان.

و هذا ما أكده العديد من الفقهاء لأنّ مشروعيّة الدليل ضمان للحريات العامة و لا يقبل أن يحتج بدليل غير مشروع حتى و إن كان يتفق مع الحقيقة إذ ليس الهدف من المحاكمة الجنائيّة الوصول إلى الحقيقة بأيّة وسيلة و إنّما بالوسائل المشروعة و التي المقصود منها الحفاظ على حريّات الأفراد من جانب و نزاهة الدليل من جانب آخر و تطبيقا لذلك فلا عبرة بدليل يتمثل في اعتراف تحت تأثير ما وقع من إكراه ماديّ أو معنويّ و لا قيمة لدليل مستمدّ من تفتيش باطل و لا قيمة لدليل جاء ترتيبا على إجراء من إجراءات التحقيق ثبت بطلانها و هذا ما اتجهت إليه محاكم القانون و النقض في كلّ بلدان العالم عملا بالقاعدة الأصوليّة "ما يبنى على باطل فهو باطل" و ذلك ما قضت المحكمة العسكريّة سنة 1992 بخلافه.  



(92)  الحكم عدد 76110 ص 221

(93)  الحكم عدد 76111 ص 141

(94)  الحكم عدد 76110 ص 215

(95)  الحكم عدد 76111 ص ص 141 و 142

(96)  انظر الملحق السابق ( تقرير رشيد ادريس )

Enter supporting content here