5551.jpg

Ch16

الفصل السادس عشر : محاكمة سياسيّة لغايات سياسيّة و أحكام سياسيّة

 

منذ إنطلاق الأبحاث في القضيّة حتّى اليوم إحتدّ الجدل حول طبيعة الجرائم المنسوبة المحالين على المحكمة العسكريّة صائفة 1992 هل هي جرائم سياسيّة أم جرائم حقّ عام ؟     و هل أنّ المحكوم عليهم مساجين سياسيين أم مساجين حقّ عام ؟ و قد وصل الأمر حدّ نفي البعض لوجود مساجين سياسيّين في السجون التونسيّة و إنّنا نعتقد أنّ الإلتزام بالحدّ الأدنى من الموضوعيّة و الصّرامة العلميّة في طرح الموضوع و التعمّق فيه من كلّ الزوايا كفيل لوحده بحسم الخلاف حول هذه المسألة و بيان الكلمة الفصل فيها وهو ما لن يكون استجابة لرغبات   و شهوات أو غايات ذاتيّة بل نتاج تحليل قانوني و علمي نزيه بعيدا عن كلّ تعسّف أو تعنّت مهما كان مصدره. و يكفي الرجوع لمنطلقات القضيّة و خلفيّاتها المعلنة و الخفيّة لحسم الخلاف حول هذه النقطة. 

1.16- القضيّة و أسبابها المباشرة و العميقة

رغم ما أكّدته الأحداث و التصريحات و الوثائق من إعتماد حركة النهضة و قياداتها للتعاطي الإيجابي مع السلطة و مع كلّ مكوّنات المجتمع(123)، كشفت تطوّرات الوضع السياسي في تونس إثر إنتخابات سنة 1989 و رفض تمكين حركة النهضة و غيرها من الأحزاب السياسيّة من التأشيرة القانونيّة و اندفاع بعض الأفراد و المجموعات للإنفراد بسلطة القرار     و بالهيمنة على مؤسسات الدولة و على مقدراتها و باستعمال هذه المؤسسات للإستقواء على بقيّة الأطراف و لفرض خياراتها السياسيّة و الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و الثقافيّة مستغلين في ذلك حالة التفكك التي تعاني منها المعارضة الوطنيّة بفعل ما حصل أثناء الإنتخابات من صراعات    و ما ساد بعضها من طمع في إمكانيّة الإنتفاع و الإستفادة من التقرّب من السلطة و مساندتها أو السكوت و الصمت على ما يحصل كما استغلت السلطة لتمرير مشروعها الأمني الهادف لإضعاف المعارضة الوطنيّة بعد تبنيّ شعاراتها و مطالبها و انعكاسات أحداث الجزائر و حرب الخليج الثانية على الوضع المحلي و الإقليمي و الدولي فاختارت الوقت المناسب حسب "تعبير البعض" لتصفية أهمّ و أخطر خصم سياسي "في ظلّ تواطؤ و صمت داخلي و إقليمي و دولي تحت ستار محاربة الأصولية و بناء مجتمع ديمقراطي تقدّمي مؤمن بقيم الحداثة و التطوّر" فتمّت تصفية و محاصرة حركة النهضة و من بعدها كل المعارضات و كلّ المنظمات المستقلة و كلّ الشخصيّات المدافعة عن الحريّات و حقوق الإنسان حتى تلك التي عرفت بمساندتها اللامحدودة للسلطة في حملتها ضدّ الإسلاميّين و بعد أن استقبلت زنزانات السجون الأستاذ البشير الصيد المحامي و الأمين العام حينها للتجمّع القومي العربي جاء دور الأستاذين عبد الرحمان الهاني و فيصل التريكي إثر إعلان نيّتهما في الترشّح لرئاسة الجمهوريّة و مناضلوا     و مناضلات حزب العمال الشيوعي و السيد المنصف المرزوقي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و شقيقه السيّد محمّد علي البدوي و عدد آخر من أفراد عائلته و السيد محمد مواعدة الأمين العام لحركة الديمقراطيين الإشتراكيين و السيد خميس قسيلة نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان الذي لم ينجه إلتحاقه بصفوف الحزب الحاكم من المضايقة   و المحاكمة و السيد خميّس الشماري الأمين العام المساعد لحركة الديمقراطيّين الإشتراكيّين  و نائب رئيس الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان و آخرهم و ليس بآخر السيد فتحي الشماخي  و رفاقه و السيدة سهام بن سدرين و الأستاذ محمّد نجيب الحسني و الصحفي زهيّر اليحياوي.

كما تمّ التضييق على نشاط الرابطة و تعطيل نشاطها في مرحلة أولى ثمّ وضعها تحت الإئتمان العدلي في مرحلة ثانية و رفض الإعتراف بالعديد من الأحزاب و الجمعيّات المهنيّة    و الإنسانيّة مثل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية و التكتل من أجل العمل و الديمقراطية     و المجلس الوطني للحريات و التجمّع من أجل بديل عالمي للتنمية و مركز تونس لاستقلال القضاء و المحاماة و الجمعيّة الدوليّة لمساندة المساجين السياسيين هذا دون أن ننسى عشرات الإحالات على المحاكم من أجل مخالفة أحكام قوانين الجمعيّات و الصحافة و النشر و الإعتداء بالعنف و التهديد على العديد من الناشطين و الناشطات الحقوقيين و مضايقتهم المتواصلة و قد وصل الأمر حدّ عزل القاضي مختار اليحياوي من وظيفته و حرمانه من مصدر رزقه بسبب رأي أبداه و صرّح به في ما يتعلق بسير العدالة و تنضيمها.

كلّ ذلك و غيره كثير ممّا يفضح الخلفيّات الحقيقيّة لمحاكمة عناصر حركة النهضة سنة 1992 و يؤكد أنّ المحاكمة المذكورة لم تكن إلا مجرّد حلقة في سلسلة أشمل عنوانها فرض الإستئثار بالسلطة و الإنفراد بمصدر القرار و تجفيف منابع كلّ المعارضات بداية بالأقوى و محاصرة دور كلّ المؤسسات و المنظمات الوطنيّة و إخضاعها لإرادة أجهزة الأمن و إحكام القبضة عليها و في مقدّمتها مؤسسّات القضاء و الإعلام و المحاماة...(124)

2.16- طبيعة التهم الموجّهة للمتهمين(125)

إنّ طبيعة التهم الموجّهة ضدّ المحالين تؤكّد الصبغة السياسيّة للقضيّة فلقد أحيل المتهمون على القضاء لاتهامهم بارتكاب جرائم الإعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة و تحريض السكّان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح و الإحتفاظ بجمعيّة غير مرخّص فيها و تحريض العسكريّين على الإنتماء لجمعيّة غير مرخّص فيها و افتعال وثائق إداريّة في حين أحيل البعض من أجل إتهامهم بارتكاب جرائم مسك سلاح بدون رخصة و صنع و مسك مواد متفجّرة و السرقة و يكفي الرجوع للحكمين عـ76110ـدد و عـ76111ـدد للتأكّد من أنّ أغلبيّة المتهمين في القضيّتين قد قضي بإدانتهم من أجل اتهامهم بارتكاب جريمة الإعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة أو المشاركة في ذلك و الإحتفاظ بجمعيّة غير معترف بها و التآمر على أمن الدولة الداخلي و الإنتماء إلى حركة سياسيّة وهي جرائم سياسيّة لا غبار عليها مثلما تمّ تبيان ذلك بشكل مفصل و دقيق صلب هذا التقرير علما و أنّه لو لم تكن جريمة الفصل 72 من المجلة الجنائيّة جريمة سياسيّة ما استفاد المحكوم عليهم من طرف محكمة أمن الدولة سنة 1987 بالعفو التشريعي العام بمقتضى القانون عدد 75 لسنة 1987.

و من المفيد التذكير أنّ المشرّع التونسي يقرّ صراحة بوجود الجريمة السياسيّة و السجين السياسي و يكفي للإستدلال على ذلك الرجوع لأحكام مجلة الإجراءات الجزائيّة حيث إقتضى المشرّع التونسي صلب الفصل 313 من م إ ج أنّه لا يمنح التسليم أيضا :

أولا : إذا كانت الجناية أو الجنحة تكتسي صبغة سياسيّة أو اتضح من الظروف أن طلب التسليم كان لغاية سياسيّة.

وهو نفس الإتجاه الذي سارت عليه إتفاقيّة التعاون القضائي بين دول المغرب العربي المصادق عليها من طرف تونس و التي لم تستثن مثلها مثل مجلة الإجراءات الجزائيّة التونسيّة من دائرة الجنايات أو الجنح التي تكتسي صبغة سياسيّة إلا "جريمة الإعتداء على حياة رئيس الدولة أو أحد أفراد عائلته أو أحد أعضاء الحكومة" مع فارق بسيط في أن الفصل 49 من الإتفاقيّة اقتصر على إعتبار أنّ الإعتداء على حياة ملوك و قادة و رؤساء و أولياء عهد دول الأطراف المتعاقدة لا يعتبر جرائم سياسيّة و لم يشمل بالحماية أفراد عائلة رؤساء الدول و الملوك و أعضاء الحكومات.

وهو ما يؤكد أن المشرع التونسي مثل غيره من المشرعين في دول العالم يقرّ بوجود المطلوب من أجل إرتكاب جريمة سياسية و الموقوف بسبب ذلك بصريح أحكام الفصل 17 من الدستور التونسي و الفصل 313 و ما يليه من مجلة الإجراءات الجزائية و طبقا لأحكام الإتفاقيّة الدوليّة التي صادقت عليها تونس و التي من ضمنها إتفاقيّة التعاون القضائي بين دول المغرب العربي المشار إليها في غير هذا الوضع.

و إذا استبعدنا ما استثناه المشرع صراحة صلب الفصل 313 من دائرة الجرائم السياسيّة تبقى جرائم الإعتداء على أمن الدولة الداخلي و الخارجي المنصوص عليها و على عقابها صلب الجزء الأوّل من الكتاب الثاني من المجلة الجنائيّة تحت عنوان في الإعتداءات على النظام العام مناط الفصول من 60 إلى 80 من المجلة المذكورة من الجرائم السياسيّة و يبقى المحكوم عليهم من أجل الجرائم المذكورة مساجين سياسيّين طبق أحكام القانون الصريحة و الواضحة التي لا تتحمّل الشكّ.      

3.16- طبيعة المحكمة التي أصدرت الحكم

إنّ طبيعة المحكمة التي أصدرت الأحكام و طبيعة من أجرى الأبحاث و التحقيق دليل كذلك على الصبغة السياسيّة للقضيّة. إذ عهد بالبحث في القضيّة لإدارة أمن الدولة وهي إدارة مختصّة بالبحث في الجرائم السياسيّة بالأساس علاوة على لا دستوريّتها و فقدانها لصفة الضابطة العدليّة التي تخوّل لها إجراء الأبحاث كما عهد بالتحقيق في القضيّة لقاضي التحقيق بالمحكمة العسكريّة الذي أظهر من الإنحياز ضدّ المتهمين ما يدلّ دليلا قطعيّا على خضوعه لإملاءات إدارة أمن الدولة و اختتم المسلسل بإحالة المتهمين على المحكمة العسكريّة التي هي باتفاق الجميع محكمة لا دستوريّة و استثنائيّة خاضعة لهيمنة السلطة التنفيذية و لا أدلّ على جديّة إعتراض المحامين على بتّ هذه المحكمة في الملف من القانون الذي أصدرته السلطة في تاريخ لاحق و الذي تمّ بموجبه حصر نظرها و تقييده بما مثل إستجابة و لو جزئيّة لمطالب رجال القانون و كان من المفروض أن يستفيد ضحايا هذه المحكمة من إقرار السلطة الحاكمة بالخلل في تركيبتها و مرجع نظرها و سير العمل فيها كما كان من المفروض أن يعاد الإعتبار لمن حوكم و سجن بسبب مطالبته بتحقيق ما صدر به القانون لاحقا إذ لا يعقل أن تتبنى السلطة ما نادى به الأساتاذ محمد النوري بمناسبة المقال الذي نشر في جريدة الفجر حول المحكمة العسكريّة دون أن تضع حدّا لآثار الحكم الصادر ضدّه بالسجن و دون أن تضع حدّا لقرار حجز و إيقاف جريدة الفجر بسبب المقال المذكور(126). 



(123)  تعتبر المذكرة المنشورة في الملحق ص ص 150-151 من أهمّ الوثائق التاريخية التي لم يسبق نشرها و المحجوزة في القضيّة عدد 76110 و التي تبيّن بوضوح حقيقة موقف حركة النهضة من مستجدّات الوضع السياسي بعد سنة 1987.

(124)  جاء في مقال للأستاذ عبد الرؤوف العيادي الرئيس الأسبق لجمعيّة المحامين الشبان و عضو الهيئة الوطنية للمحامين و الكاتب العام للمجلس الوطني للحريات بتونس و نائب رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة. انظر الملحق ص ص 152- 160.

(125)  انظر الملحق ص 161 (جريدة الصباح، 10 جويلية 1992).

(126)  القانون عدد 56 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 و الذي تمّ بمقتضاه تنقيح م م ع ع .

 

4.16- التعليل السياسي للأحكام

 

يعلم كلّ من له أدنى دراية بالقوانين و أعمال المحاكم أنّ لكلّ جريمة ركنان ركن ماديّ و ركن معنويّ و أنهّ على كلّ محكمة تعليل أحكامها بما له أصل ثابت في ملف القضية كما أنّه عليها بكلّ دقة و وضوح تبيان كيف توفّرت أركان الجريمة موضوع الإحالة في حقّ المتّهم و كيف انطبق نصّ الإحالة على الوقائع موضوع الإتّهام.

 

و رغم إسهاب المحامين في تحليل أحكام فصول الإحالة و خاصّة الفصول 32 و 53   و55 و 59 و 63 و 68 و 72 و109 و 155 و 156 و 193 و 268 و 280 من المجلة الجنائية و بيان عدم توفّر الأركان الواقعيّة و الفعليّة الموجّهة لمنوّبيهم و انتفاء كلّ دليل ماديّ يثبت أن المتهمين شرعوا في تنفيذ مخطط لقلب نظام الحكم خاصّة بعد أن ثبت بصفة قطعيّة أنّ إجتماع براكة الساحل و جلب صاروخ ستيجر كان مجرّد دعاية ليس إلا و قد أوضح المحامون موقفهم و رؤيتهم مشافهة و كتابة و لكنّ المحكمة قضت بالإدانة دون بيان كيف إقتنعت بها و اكتفت بالتحاليل السياسيّة العامّة.

 

إنّ المطّلع على نصّ الحكم بقدر ما يذهل لانعدام تعليله واقعا و قانونا و لغياب أيّ تحليل و أيّ بيان مهما كان بسيطا و سريعا لنصوص الإحالة و أركانها ممّا يؤشّر على فشل المحكمة في تعليل حكمها بما له أصل ثابت بملف القضيّة بقدر ما يذهل لوقوع المحكمة في صياغة فقرة مطوّلة كشفت فيها بجلاء ما أسّست عليه قرارها و فضحت فيها بوضوح منقطع النظير الخلفيات الحقيقيّة للملف و الطبيعة السياسيّة للمحاكمة و الحكم بقولها في خطاب سياسي صريح "و حيث أنّ القوانين في جميع أصقاع المعمورة تحجّر إستعمال العنف و الإرهاب بقطع النظر عن الأهداف التي يرمز إليها أصحابها و قد تعدّدت القوانين المحجّرة لتلك الأعمال في كلّ البلدان و ما إلتجاء حركة النهضة لمثل هذه الأعمال إلا هو عنوان الشغب   و الفوضى التي اتسمت بها الحركة للوصول إلى مراميها بطرق غير مشروعة خاصّة أنّ ما جاء في قوانيننا الداخليّة يستهدف في مفهومه تطبيق المواثيق الدوليّة التي تحجّر و تمنع أيّة دعوة إلى الكراهيّة الدينيّة أو العنصريّة و تلك التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف و ما مواقف تونس إلا تكريسا لهذه المبادئ التي تناضل من أجلها و تدافع عنها في كلّ المحافل الدوليّة و بناءا على ذلك فإنّ ما تدّعيه حركة النهضة من مخالفة لهذه المبادئ لا تتماشى و حقيقة المواقف المشار إليها آنفا. و حيث أنّ إزاء ما سبق بيانه فقد ثبتت إدانة جملة المتهمين و يتّجه إعتمادا على أحكام النصوص القانونيّة الجزائيّة منها و العسكريّة مؤاخذة كلّ منهم بما نسب إليه..." (بدون تعليق).

 

إنّ ما سبق تبيانه آنفا حوّل المحكمة إلى أداة دعاية سياسيّة تمتدح النظام الحاكم و تتباهى بإلتزامه المزعوم بتنفيذ المعاهدات الدوليّة و تتفاخر بـ"مواقف تونس" في المحافل الدوليّة و في هذا خروج عن الحياد و إعلان العداء على إحدى الحركات السياسيّة بوصفها بالإرهاب و العنف (دون دليل مادّي) فتصدر حكما على نواياها و تحسم الخلاف على جديّة إحترام السلطة للقوانين و المواثيق الدوليّة من عدمها لفائدة هذه الأخيرة "لأنّ ما تدّعيه حركة النهضة من مخالفة (السلطة) لهذه المبادئ لا تتماشى و حقيقة المواقف المشار إليها آنفا ..." و لقد تحوّلت المحكمة من هيئة قضائيّة عليها البحث في الوقائع و الأفعال و غربلتها  و بيان الثابت منها الذي لا يقبل الدحض و لا يحتمل الشكّ و المجرّد الذي لا أساس له و لا سند له بكلّ وسائل الإثبات الممكنة قانونا كربط أركان الجرائم المنسوبة للمتهمين بصفة مفصّلة و دقيقة و بيان مدى توفّرها من عدمها كالبحث عن توفّر القصد الجنائي و سوء النيّة من عدمه لتنتهي بتعليل حكمها تعليلا قانونيّا صارما بما له أصل ثابت في الملف و أوراقه...عوضا عن ذلك تحوّلت إلى بوق دعاية لطرف على حساب طرف آخر تؤسس أحكامها على المواقف المعلنة في المحافل الدولية و صفحات الجرائد و شاشات التلفاز و تبني قراراتها القاضية بسلب حريّة المئات من البشر على ما توصّلت إليه من اكتشاف أنّ إتهام إحدى الحركات السياسيّة للحكومة بخرق القوانين    و المواثيق الدوليّة إدّعاء لا يتماشى و حقيقة مواقف هذه الحكومة و الحال أنّ موضوع نظرها لم يكن مسلطا على مواقف الحكومة أو الدعاية المضادّة لها بل كان مسلطا على أفعال ماديّة و لكن المحكمة سهت عن كونها سلطة مستقلة تطبّق القوانين و تحمي المجتمع و الأفراد لتتحوّل إلى جهاز تابع يدافع عن خيارات السلطة التنفيذية و مواقفها بما حوّل الأحكام القضائيّة إلى بيانات سياسيّة وهو ما أطنب القاضي مختار اليحياوي رئيس مركز تونس لاستقلال القضاء و المحاماة في وصفه بقوله في رسالته الموجّهة لرئيس الدولة يوم 6/07/2001 "إنّ القضاء التونسي قد فرضت عليه الوصاية بسيطرة فئة من الإنتهازيّين المتملّقين الذين نجحوا في بناء قضاء مواز خارج عن الشرعيّة بكلّ المعايير و استولوا على المجلس الأعلى للقضاء و على أغلب المراكز الحسّاسة في مختلف المحاكم لا يعرفون معنى التجرّد و الحياد و تحوّلت الإستقلاليّة إلى إستقالة و تبرّم لدى كلّ القضاة الحقيقيّين و الممنوعين عن الإضطلاع بدورهم و تحمّل مسؤوليّاتهم و تفعيل كفاءتهم في خدمة القضاء و الوطن" و لسائل أن يتساءل بعد كلّ الذي جرى و يجري :

هل يعقل أن يتعرّض مواطن تونسي في أواخر القرن العشرين و في وقت صادقت فيه بلادنا على أغلب المواثيق و الإتفاقيات الدوليّة المتعلقة بحقوق الإنسان و مناهضة التعذيب      و ضمان المحاكمة العادلة و غيرها إلى مثل هذه المعاملة ؟؟

هل يقبل أن يتعرّض مواطن تونسي مهما كان سنّه و مستواه العلمي و مركزه المهني    و موقعه في المجتمع إلى مثل هذا الإجحاف بحقوقه ؟

 

و إذا كان من المهمّ طرح هذه الأسئلة و غيرها كثير فإنّه من الأهمّ و بعد تجاوز الجدل حول الحكم  و ظروف المحاكمة و مدى توفّر أدنى شروط المحاكمة العادلة طبق أحكام دستور البلاد و قوانينها و مقتضيات المعايير الدوليّة من الأهمّ طرح سؤال آخر وهو :

ما هي مبرّرات إستمرار مأساة المئات من المحكوم عليهم سواء الذين ما زالوا الآن بصدد قضاء العقوبة أو الذين تمّ تسريحهم أو الذين هم في المنفى و من ورائهم مئات العائلات المحرومة من الأب و الإبن و الزوج و الأخ لمدّة فاقت العشرة أعوام  ؟؟ ...

 

ما الذي يبرّر حرمان طفل من والده الذي تركه رضيعا لا يفقه شيئا و حتى في بطن أمّه وهو الآن في سنّ تجعله في أشدّ الحاجة لحضنه و عنايته و رعايته ؟؟ ...

ما الذي يبرّر حرمان أمّ ثكلى طاعنة في السنّ من وجود فلذة كبدها إلى جانبها وهي تشعر باقتراب النهاية و دنوّ الأجل(127) ؟؟...

ما الذي يبرّر إستمرار آلام أب وهو يرى بأمّ عينيه ابنه الذي أدخل السجن و لم يبلغ بعد سنّ العشرين و يتقدّم به العمر وراء القضبان دون أن يحلم ككلّ أب بيوم يدخل عليه فيه الفرحة بنجاح في دراسة أو زواج أو غيره ممّا هو مخوّل لغيره من أنداده و أترابه ؟؟...

و ما الذي يبرّر تواصل عذاب زوجات خطف منهنّ أزواجهنّ و لم يمرّ على فرحتهنّ إلا أسابيع معدودات إن لم نقل أيّاما فقط ؟؟ ...

ما الذي يبرّر الإصرار على إطالة عمر هذه المأساة المتعدّدة الجوانب و الأبعاد خاصّة في مثل هذه الظروف الداخليّة و الخارجيّة الحرجة التي تحتاج فيها البلاد إلى جهد و طاقة كلّ أبنائها بدون إستثناء ؟

 

هل يقبل عاقل في تونس و خارجها أن يعاني الأستاذ الجامعي(128) و الطالب و الطبيب و العامل و الفلاح و المرأة و الرجل الطاعنين في السنّ و الرضيع الذي لا يفقه شيئا و المقعد العاجز عن الحركة الذي يحتاج لقضاء حاجياته الأساسيّة إلى الإستعانة بالغير طوال أكثر من عشرة أعوام تبعات أزمة مفتعلة و أحكام باطلة لا سند لها في الواقع و القانون؟

و هل يصحّ الحديث عن دولة القانون و المؤسّسات و الآلاف من بنات و أبناء هذا الشعب محرومون من التمتّع بأبسط الحقوق التي يضمنها لهم دستور البلاد و قوانينها و المواثيق الدوليّة ؟

         و هل يجوز التبشير بمجتمع الإمتياز و جزء هام من بنات و أبناء هذا المجتمع مرغمون بقوّة سطوة البوليس و تعسّفه على الخضوع لممارسات لا إنسانيّة خارج إطار القانون و القضاء ؟

و هل يحقّ لسلطة مهما كانت درجة ما تتمتّع به من شرعيّة دستوريّة و واقعيّة تحويل الأحكام بالسجن الصادرة في حق مواطنيها إلى أحكام بالقتل البطيء و على مراحل لا للمحكوم عليهم فقط بل و لأفراد عائلاتهم و لكلّ من يمتّ لهم بصلة ؟؟ و أيّة علاقة لمثل هذه الأفعال التي تكشف رغبة بدائيّة في الإنتقام بمبادئ التحضّر و التمدّن و قيم العصر؟؟ و هل يمكن لبلد يشكو الآلاف من أبنائه من انعدام الأمن و الحريّة و من الحرمان من الحقّ الطبيعي في التعليم   و العلاج و العمل و الحياة الكريمة أن ينهض و يتطوّر و يصمد في وجه الأزمات التي تهزّ العالم؟؟  

 

إنّنا لا نبالغ إذا أكّدنا أنّ مصلحة البلاد و الوطن تقتضي قبل كلّ شيء تجاوز كلّ المعوقات التي تحول دون تجنّد الجميع لمواجهة التحديات الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافيّة   و الحضاريّة التي تواجهنا و إعادة الأمل لجميع أبناء الوطن الواحد و لكلّ فئات الشعب في إمكانيّة النجاح و تحقيق الأفضل بما يفجّر الطاقات الخلاقة الكامنة في كلّ وطنيّ غيور على وطنه و مصالحه و بما يحوّله من متفرّج أو عامل إحباط و هدم و تشكيك إلى مشارك فاعل في مسيرة الخير و الإنماء.

 

كما أنّنا لا نبالغ إذا أكّدنا أنّ في الإصرار على إستمرار هذه المأساة محاولة لتأبيد أوضاع غير طبيعيّة و إتخاذ الجميع رهائن لخيارات مناقضة لمصالح البلاد و مهدّدة لحاضرها و مستقبلها و هو محاولة لدفع الأوضاع نحو تصعيد تسيطر فيه الرغبة في الثأر و الإنتقام و نوازع الشرّ لتبرير مزيد من الإنفراد بالحكم و الإستئثار بالثروة و مزيد من التطرّف في فرض سياسات لا وطنيّة معادية لهويّة الشعب و متنصّلة من إلتزاماته تجاه أمّته و قضاياها المصيريّة كلّ ذلك تحت ستار محاربة "الأصوليّة" و "التطرّف" كما أنّنا لا نبالغ إذا قلنا أنّ الكثيرين من أعداء هذا الشعب داخل مؤسّسات السلطة و خارجها الذين حّرضوا على شّن حملة الاستئصال التي مّيزت العشريّة الماضية و الذين بذلوا الكثير من الجهد و المال و الوقت لتوريط أطراف الأزمة في السقوط فيما سقط فيه جيراننا في الجزائر الشقيقة مازالوا عبر تحريضهم على الإنتقام و التعامل مع المحكوم عليهم و عائلاتهم بخلاف أحكام الدستور و القانون و المواثيق الدوليّة مصرّين على تحقيق ذلك الهدف المشؤوم و على تخريب كلّ مسعى لإغلاق هذا الملف ووضع حدّ لهذه المأساة متجاهلين ما أكدّته تجربة العشريّة الأخيرة من أن خيار العنف و الإقصاء و الإستثناء خيار فاشل و هو خيار مرفوض بكلّ المقاييس الوطنيّة و القانونيّة و الإنسانيّة و أنّ التعايش السلمي و التنافس النزيه و احترام الرأي المخالف هو قدر الجميع بدون إستثناء و أنّه لا تطوّر إجتماعي و لا تقدّم ثقافي و لا نموّ إقتصادي دون حريّة    و دون سيادة القانون و إستقلال القضاء باعتباره سلطة دستورية لا سلك خاضع للسلطة التنفيذية و أجهزتها.

 

لهذه الإعتبارات و غيرها تشارك الجمعيّة الدوليّة لمساندة المساجين السياسيّين و لجنة المحامين النائبين أمام المحكمة العسكرية – صائفة1992 العديد من الهيئات و الجمعيّات و الأحزاب و الشخصيّات الوطنيّة قناعاتهم بلزوم وضع حدّ لهذه المأساة و إطلاق سراح كلّ المساجين السياسيّين و إعلان العفو التشريعي العام و التعويض للمتضرّرين باعتباره ضرورة إنسانيّة و قانونيّة و وطنيّة و مطلبا شعبيّا ملحّا(129).


 

(127)  انظر ملحق الشهادات (لطفي العمدوني، السيدة زهرة بنت محمد الأسود أمّ السجين عادل بن عمر و الأمجد الشيحي و زوجته).

(128)  انظر الملحق ص ص 162-164                                 

(129)  انظر بيان المحامين ص 165.