4.16-
التعليل السياسي للأحكام
يعلم
كلّ من له أدنى دراية بالقوانين
و أعمال المحاكم أنّ لكلّ
جريمة ركنان ركن ماديّ
و
ركن معنويّ و أنهّ على
كلّ محكمة تعليل أحكامها
بما له أصل ثابت في ملف
القضية كما
أنّه عليها بكلّ دقة و
وضوح تبيان كيف توفّرت
أركان الجريمة موضوع
الإحالة في حقّ
المتّهم و كيف انطبق نصّ
الإحالة على الوقائع
موضوع الإتّهام.
و رغم إسهاب
المحامين في تحليل أحكام
فصول الإحالة و خاصّة
الفصول 32 و 53 و55 و 59 و 63 و 68
و 72 و109 و 155 و 156 و 193 و 268 و 280 من المجلة
الجنائية و بيان عدم توفّر
الأركان الواقعيّة و
الفعليّة الموجّهة لمنوّبيهم
و انتفاء كلّ دليل ماديّ
يثبت أن
المتهمين شرعوا في تنفيذ
مخطط لقلب نظام الحكم
خاصّة بعد أن ثبت بصفة
قطعيّة أنّ
إجتماع براكة الساحل
و جلب صاروخ ستيجر كان
مجرّد دعاية ليس إلا و
قد
أوضح المحامون موقفهم
و رؤيتهم مشافهة و كتابة
و لكنّ المحكمة قضت بالإدانة
دون
بيان كيف إقتنعت بها و
اكتفت بالتحاليل السياسيّة
العامّة.
إنّ المطّلع
على نصّ الحكم بقدر ما
يذهل لانعدام تعليله
واقعا و قانونا و لغياب
أيّ تحليل و
أيّ بيان مهما كان بسيطا
و سريعا لنصوص الإحالة
و أركانها ممّا يؤشّر
على فشل
المحكمة في تعليل حكمها
بما له أصل ثابت بملف القضيّة
بقدر ما يذهل لوقوع
المحكمة في صياغة فقرة
مطوّلة كشفت فيها بجلاء
ما أسّست عليه قرارها
و فضحت فيها
بوضوح منقطع النظير الخلفيات
الحقيقيّة للملف و الطبيعة
السياسيّة للمحاكمة و
الحكم
بقولها في خطاب سياسي
صريح "و حيث أنّ القوانين
في جميع أصقاع المعمورة
تحجّر إستعمال العنف
و الإرهاب بقطع النظر
عن الأهداف التي يرمز
إليها أصحابها و قد
تعدّدت القوانين المحجّرة
لتلك الأعمال في كلّ البلدان
و ما إلتجاء حركة النهضة
لمثل هذه الأعمال إلا
هو عنوان الشغب و الفوضى
التي اتسمت بها الحركة
للوصول إلى
مراميها بطرق غير مشروعة
خاصّة أنّ ما جاء في قوانيننا
الداخليّة يستهدف في
مفهومه
تطبيق المواثيق الدوليّة
التي تحجّر و تمنع أيّة
دعوة إلى الكراهيّة الدينيّة
أو
العنصريّة و تلك التي
تشكل تحريضا على التمييز
أو العداوة أو العنف و
ما مواقف تونس
إلا تكريسا لهذه المبادئ
التي تناضل من أجلها و
تدافع عنها في كلّ المحافل
الدوليّة
و بناءا على ذلك فإنّ ما
تدّعيه حركة النهضة من
مخالفة لهذه المبادئ
لا تتماشى و
حقيقة المواقف المشار
إليها آنفا. و حيث أنّ إزاء
ما سبق بيانه فقد ثبتت
إدانة جملة
المتهمين و يتّجه إعتمادا
على أحكام النصوص القانونيّة
الجزائيّة منها و العسكريّة
مؤاخذة كلّ منهم بما نسب
إليه..." (بدون تعليق).
إنّ ما سبق
تبيانه آنفا حوّل المحكمة
إلى أداة دعاية سياسيّة
تمتدح النظام الحاكم
و تتباهى
بإلتزامه المزعوم بتنفيذ
المعاهدات الدوليّة و
تتفاخر بـ"مواقف تونس"
في
المحافل الدوليّة و في
هذا خروج عن الحياد و إعلان
العداء على إحدى الحركات
السياسيّة بوصفها بالإرهاب
و العنف (دون دليل مادّي)
فتصدر حكما على نواياها
و تحسم
الخلاف على جديّة إحترام
السلطة للقوانين و المواثيق
الدوليّة من عدمها لفائدة
هذه
الأخيرة "لأنّ ما تدّعيه
حركة النهضة من مخالفة
(السلطة) لهذه المبادئ
لا تتماشى
و حقيقة المواقف المشار
إليها آنفا ..." و لقد تحوّلت
المحكمة من هيئة قضائيّة
عليها البحث في الوقائع
و الأفعال و غربلتها
و بيان الثابت منها الذي
لا يقبل
الدحض و لا يحتمل الشكّ
و المجرّد الذي لا أساس
له و لا سند له بكلّ وسائل
الإثبات
الممكنة قانونا كربط
أركان الجرائم المنسوبة
للمتهمين بصفة مفصّلة
و دقيقة و بيان
مدى توفّرها من عدمها
كالبحث عن توفّر القصد
الجنائي و سوء النيّة
من عدمه لتنتهي
بتعليل حكمها تعليلا
قانونيّا صارما بما له
أصل ثابت في الملف و أوراقه...عوضا
عن
ذلك تحوّلت إلى بوق دعاية
لطرف على حساب طرف آخر
تؤسس أحكامها على المواقف
المعلنة
في المحافل الدولية و
صفحات الجرائد و شاشات
التلفاز و تبني قراراتها
القاضية بسلب
حريّة المئات من البشر
على ما توصّلت إليه من
اكتشاف أنّ إتهام إحدى
الحركات
السياسيّة للحكومة بخرق
القوانين و المواثيق
الدوليّة إدّعاء لا يتماشى
و حقيقة
مواقف هذه الحكومة و الحال
أنّ موضوع نظرها لم يكن
مسلطا على مواقف الحكومة
أو
الدعاية المضادّة لها
بل كان مسلطا على أفعال
ماديّة و لكن المحكمة
سهت عن كونها
سلطة مستقلة تطبّق القوانين
و تحمي المجتمع و الأفراد
لتتحوّل إلى جهاز تابع
يدافع
عن خيارات السلطة التنفيذية
و مواقفها بما حوّل الأحكام
القضائيّة إلى بيانات
سياسيّة وهو ما أطنب القاضي
مختار اليحياوي رئيس
مركز تونس لاستقلال القضاء
و المحاماة في وصفه بقوله
في رسالته الموجّهة لرئيس
الدولة يوم 6/07/2001 "إنّ
القضاء التونسي قد فرضت
عليه الوصاية بسيطرة
فئة من الإنتهازيّين
المتملّقين الذين
نجحوا في بناء قضاء مواز
خارج عن الشرعيّة بكلّ
المعايير و استولوا على
المجلس
الأعلى للقضاء و على أغلب
المراكز الحسّاسة في
مختلف المحاكم لا يعرفون
معنى
التجرّد و الحياد و تحوّلت
الإستقلاليّة إلى إستقالة
و تبرّم لدى كلّ القضاة
الحقيقيّين و الممنوعين
عن الإضطلاع بدورهم و
تحمّل مسؤوليّاتهم و
تفعيل كفاءتهم في
خدمة القضاء و الوطن"
و لسائل أن يتساءل بعد
كلّ الذي جرى و يجري :
هل يعقل أن
يتعرّض مواطن تونسي في
أواخر القرن العشرين
و في وقت صادقت فيه بلادنا
على أغلب
المواثيق و الإتفاقيات
الدوليّة المتعلقة بحقوق
الإنسان و مناهضة التعذيب
و
ضمان المحاكمة العادلة
و غيرها إلى مثل هذه المعاملة
؟؟
هل يقبل أن
يتعرّض مواطن تونسي مهما
كان سنّه و مستواه العلمي
و مركزه المهني و موقعه
في
المجتمع إلى مثل هذا الإجحاف
بحقوقه ؟
و إذا كان من
المهمّ طرح هذه الأسئلة
و غيرها كثير فإنّه من
الأهمّ و بعد تجاوز الجدل
حول الحكم
و ظروف المحاكمة و مدى
توفّر أدنى شروط المحاكمة
العادلة طبق أحكام دستور
البلاد و
قوانينها و مقتضيات المعايير
الدوليّة من الأهمّ طرح
سؤال آخر وهو :
ما هي
مبرّرات إستمرار مأساة
المئات من المحكوم عليهم
سواء الذين ما زالوا الآن
بصدد قضاء
العقوبة أو الذين تمّ
تسريحهم أو الذين هم في
المنفى و من ورائهم مئات
العائلات
المحرومة من الأب و الإبن
و الزوج و الأخ لمدّة فاقت
العشرة أعوام
؟؟ ...
ما الذي يبرّر
حرمان طفل من والده الذي
تركه رضيعا لا يفقه شيئا
و حتى في بطن أمّه وهو الآن
في
سنّ تجعله في أشدّ الحاجة
لحضنه و عنايته و رعايته
؟؟ ...
ما الذي
يبرّر حرمان أمّ ثكلى
طاعنة في السنّ من وجود
فلذة كبدها إلى جانبها
وهي تشعر
باقتراب النهاية و دنوّ
الأجل
؟؟...
ما الذي
يبرّر إستمرار آلام أب
وهو يرى بأمّ عينيه ابنه
الذي أدخل السجن و لم يبلغ
بعد سنّ
العشرين و يتقدّم به العمر
وراء القضبان دون أن يحلم
ككلّ أب بيوم يدخل عليه
فيه
الفرحة بنجاح في دراسة
أو زواج أو غيره ممّا هو
مخوّل لغيره من أنداده
و أترابه
؟؟...
و ما الذي
يبرّر تواصل عذاب زوجات
خطف منهنّ أزواجهنّ و
لم يمرّ على فرحتهنّ إلا
أسابيع
معدودات إن لم نقل أيّاما
فقط ؟؟ ...
ما الذي
يبرّر الإصرار على إطالة
عمر هذه المأساة المتعدّدة
الجوانب و الأبعاد خاصّة
في مثل
هذه الظروف الداخليّة
و الخارجيّة الحرجة التي
تحتاج فيها البلاد إلى
جهد و طاقة
كلّ أبنائها بدون إستثناء
؟
هل يقبل عاقل
في تونس و خارجها أن يعاني
الأستاذ الجامعي
و الطالب و الطبيب و العامل
و الفلاح و المرأة و الرجل
الطاعنين في السنّ و الرضيع
الذي لا يفقه شيئا و المقعد
العاجز عن الحركة الذي
يحتاج لقضاء حاجياته
الأساسيّة
إلى الإستعانة بالغير
طوال أكثر من عشرة أعوام
تبعات أزمة مفتعلة و أحكام
باطلة لا
سند لها في الواقع و القانون؟
و هل يصحّ
الحديث عن دولة القانون
و المؤسّسات و الآلاف
من بنات و أبناء هذا الشعب
محرومون من
التمتّع بأبسط الحقوق
التي يضمنها لهم دستور
البلاد و قوانينها و المواثيق
الدوليّة
؟
و هل
يجوز التبشير بمجتمع
الإمتياز و جزء هام من
بنات و أبناء هذا المجتمع
مرغمون بقوّة
سطوة البوليس و تعسّفه
على الخضوع لممارسات
لا إنسانيّة خارج إطار
القانون و القضاء
؟
و هل يحقّ
لسلطة مهما كانت درجة
ما تتمتّع به من شرعيّة
دستوريّة و واقعيّة تحويل
الأحكام
بالسجن الصادرة في حق
مواطنيها إلى أحكام بالقتل
البطيء و على مراحل لا
للمحكوم
عليهم فقط بل و لأفراد
عائلاتهم و لكلّ من يمتّ
لهم بصلة ؟؟ و أيّة علاقة
لمثل هذه
الأفعال التي تكشف رغبة
بدائيّة في الإنتقام
بمبادئ التحضّر و التمدّن
و قيم
العصر؟؟ و هل يمكن لبلد
يشكو الآلاف من أبنائه
من انعدام الأمن و الحريّة
و من
الحرمان من الحقّ الطبيعي
في التعليم و العلاج
و العمل و الحياة الكريمة
أن ينهض
و يتطوّر و يصمد في وجه
الأزمات التي تهزّ العالم؟؟
إنّنا لا نبالغ
إذا أكّدنا أنّ مصلحة
البلاد و الوطن تقتضي
قبل كلّ شيء تجاوز كلّ
المعوقات التي تحول دون
تجنّد الجميع لمواجهة
التحديات الإجتماعية
و الإقتصادية و
الثقافيّة و الحضاريّة
التي تواجهنا و إعادة
الأمل لجميع أبناء الوطن
الواحد و
لكلّ فئات الشعب في إمكانيّة
النجاح و تحقيق الأفضل
بما يفجّر الطاقات الخلاقة
الكامنة في كلّ وطنيّ
غيور على وطنه و مصالحه
و بما يحوّله من متفرّج
أو عامل إحباط
و هدم و تشكيك إلى مشارك
فاعل في مسيرة الخير و
الإنماء.
كما أنّنا
لا
نبالغ إذا أكّدنا أنّ
في الإصرار على إستمرار
هذه المأساة محاولة لتأبيد
أوضاع غير
طبيعيّة و إتخاذ الجميع
رهائن لخيارات مناقضة
لمصالح البلاد و مهدّدة
لحاضرها و
مستقبلها و هو محاولة
لدفع الأوضاع نحو تصعيد
تسيطر فيه الرغبة في الثأر
و الإنتقام
و نوازع الشرّ لتبرير
مزيد من الإنفراد بالحكم
و الإستئثار بالثروة
و مزيد من
التطرّف في فرض سياسات
لا وطنيّة معادية لهويّة
الشعب و متنصّلة من إلتزاماته
تجاه
أمّته و قضاياها المصيريّة
كلّ ذلك تحت ستار محاربة
"الأصوليّة" و "التطرّف"
كما
أنّنا لا نبالغ إذا قلنا
أنّ الكثيرين من أعداء
هذا الشعب داخل مؤسّسات
السلطة و
خارجها الذين حّرضوا
على شّن حملة الاستئصال
التي مّيزت العشريّة
الماضية و الذين
بذلوا الكثير من الجهد
و المال و الوقت لتوريط
أطراف الأزمة في السقوط
فيما سقط فيه
جيراننا في الجزائر الشقيقة
مازالوا عبر تحريضهم
على الإنتقام و التعامل
مع المحكوم
عليهم و عائلاتهم بخلاف
أحكام الدستور و القانون
و المواثيق الدوليّة
مصرّين على
تحقيق ذلك الهدف المشؤوم
و على تخريب كلّ مسعى لإغلاق
هذا الملف ووضع حدّ لهذه
المأساة متجاهلين ما
أكدّته تجربة العشريّة
الأخيرة من أن خيار العنف
و الإقصاء و
الإستثناء خيار فاشل
و هو خيار مرفوض بكلّ المقاييس
الوطنيّة و القانونيّة
و
الإنسانيّة و أنّ التعايش
السلمي و التنافس النزيه
و احترام الرأي المخالف
هو قدر
الجميع بدون إستثناء
و أنّه لا تطوّر إجتماعي
و لا تقدّم ثقافي و لا نموّ
إقتصادي
دون حريّة و دون سيادة
القانون و إستقلال القضاء
باعتباره سلطة دستورية
لا سلك
خاضع للسلطة التنفيذية
و أجهزتها.
لهذه
الإعتبارات و غيرها تشارك
الجمعيّة الدوليّة لمساندة
المساجين السياسيّين
و لجنة
المحامين النائبين أمام
المحكمة العسكرية – صائفة1992
العديد من الهيئات و
الجمعيّات و الأحزاب
و الشخصيّات الوطنيّة
قناعاتهم بلزوم وضع حدّ
لهذه المأساة و
إطلاق سراح كلّ المساجين
السياسيّين و إعلان العفو
التشريعي العام و التعويض
للمتضرّرين باعتباره
ضرورة إنسانيّة و قانونيّة
و وطنيّة و مطلبا شعبيّا
ملحّا.