الباب الثالث
: الخروقات المسجلة خلال
المحاكمة
الفصل التاسع : المحكمة
العسكريّة محكمة لا
دستوريّة و استثنائيّة
غير مختصة

"لكلّ
إنسان على قدم المساواة
التامة مع الآخرين الحق
في أن تنظر قضيّته محكمة
مستقلّة
ومحايدة تظل منصفة وعلنية
للفصل في حقوقه والتزاماته
وفي أية تهمة جزائية توجّه
إليهم"
المادة 10 من
الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان.
في ظلّ ما
هيمن على الأبحاث و أعمال
التحقيق من خروقات خطيرة
لمقتضيات دستور البلاد
و النصوص
القانونيّة النافذة و
أحكام و الإتفاقيات الدولية
التي صادقت عليها الحكومة
التونسية انتصبت هيئة
المحكمة العسكرية للنظر
في الملف و البتّ فيه و
كان من
الطبيعي جدّا أن يعبّر
الكثير من المحامين و
الملاحظين عن خشيتهم
من عدم شذوذ
أعمال المحكمة عمّا عرفته
المراحل السابقة التي
مرّت بها القضيّة و أن
تكون
المحاكمة حلقة في سلسلة
ميزتها الخروج على الدستور
و القانون.
1.9- محكمة لا دستوريّة
نظّم المشرّع
التونسي القضاء العسكري
صلب الأمر المؤرخ في 20 جانفي
1957 وهو تاريخ سابق لصدور
الدستور بموجب القانون
عدد 57 لسنة 1959 المؤرخ في غرّة
جوان 1959 بعد مصادقة
المجلس التأسيسي عليه.
و قد نظّم الدستور التونسي
صلب الفصول 64 و 65 و 66 و 67 السلطة القضائيّة
و اقتضى
أن تصدر أحكامها باسم
الشعب كما اقتضى أنّ القضاة
مستقلون لا سلطان عليهم
في
قضائهم لغير القانون
و أنّ تسمية القضاة تكون
بمقتضى ترشيح من مجلس
القضاء الأعلى
الذي يسهر على الضمانات
اللازمة لهم من حيث التعيين و الترقية و النقلة
و التأديب و قد نصّ
الدستور على بعث محكمة
خاصّة وهي المحكمة العليا
لا غير و لم ينصّ على بعث
محكمة
عسكريّة أو ما شابهها.
و لقد كان من الطبيعي
جدّا أن تكون كلّ المؤسّسات
العاملة قبل إصدار الدستور
و التي لم تشملها أحكامه
لاغية ( إذ مثلما كان في
اختيار النوّاب ) للنظام
الجمهوري إلغاء نظام
البايات كان من الطبيعي
جدّا أن يكون
في التنصيص على استقلال
السلطة القضائيّة و إيكال
أمر السهر على الضمانات
اللازمة
للقضاة للمجلس الأعلى
للقضاء إلغاءا لكلّ نظام
قضائي تأسّس على خلاف
تلك المبادئ و
القيم و ذلك تماشيا مع
أحكام الفصلين 6 و 12 منه خاصة
و أنّ المجلس التأسيسي
قرأ
حسابا لبعض الحالات الخاصّة
و ارتأى بعث محكمة خاصّة
للغرض وهي المحكمة العليا
و
لو كان هناك اتجاه لبعث
محاكم خاصّة أخرى مثل
المحكمة العسكريّة أو
محكمة أمن
الدولة لنصّ على ذلك صراحة
و لكّنه من الظاهر أنّ
إرادة المشرّع اتجهت
لتوحيد
القضاء و جعله سلطة مستقلة
تخضع لمجلس أعلى للقضاء
يسهر على سيرها و شؤونها
و يكون
المواطنون متساوون أمامها
في الحقوق و الواجبات
وهو ما يجعل من وجود القضاء
العسكري لا استمرار لحالة
سابقة عن سنّ الدستور
فقط بل استمرار لحالة
مخالفة
لأحكامه إذ جاءت الأحكام
المنظمة لتركيبة المحكمة
و سير أعمالها ماسّة من
مبدإ المساواة بين المواطنين
لأنّ من يحال على القضاء
العسكري لا يتمتّع بنفس
الحقوق التي يتمتّع بها
المحال على القضاء العادي
من ذلك أنّ القرارات التي
تصدر عن قاضي التحقيق
العسكري غير قابلة للطعن
بأيّ وجه من الوجوه في
حين أنّ
قرارات قاضي التحقيق
العدلي قابلة للطعن بالإستئناف
و الأحكام الصادرة عن
القضاء
العسكري في مادّة الجنح
غير قابلة للطعن بالإستئناف
و يمكن الطعن فيها
بالتعقيب فقط على خلاف
الأحكام الصادرة في نفس
الموضوع أمام المحاكم
العاديّة و آجال
الطعن في الأحكام الصادرة
عن القضاء العسكري أربعة
أيام من تاريخ صدور الحكم
الحضوري في حين أنّ الآجال
المذكورة عشرة أيّام
أمام المحاكم العاديّة
من نفس
التاريخ بالإضافة إلى
أنّ الأمر بالتتبع أمام
القضاء العسكري يصدر
عن وزير
الدفاع وهو أحد أعضاء
السلطة التنفيذيّة مّما
يعتبر مسّا من مبدأ الفصل
بين
السلطات و خرقا لأحكام
الفصل 65 من الدستور و الحال
أنّ إثارة الدعوى العموميّة
أمام القضاء العادي من
اختصاص النيابة العموميّة
كسلطة قضائيّة هذا علاوة
على أنّ
في تسمية قضاة المحكمة
العسكريّة دون ترشيح
المجلس الأعلى للقضاء
مساس بأحكام
الفصل 66 من الدستور وهو
ما يجعل من هذه المحكمة
محكمة لا دستوريّة بامتياز
و إذا كانت هيئة المحكمة
العسكريّة في القضيّة
عـ76110ـدد أقرّت ضمنيّا
بلا دستوريّتها و تمسّكت
برفض الخوض في الموضوع
ردّا على
دفوعات المحامين بدعوى
"أنّه لا صلاحيّات لهذه
المحكمة للخوض في مراقبة
دستورية القوانين و التشاريع..."(نصّ
الحكم عدد76110 ص215) فإنّ هيئة المحكمة
في القضية عـ76111ـدد ذهبت
مذهبا آخر و اعتبرت أنّ
دستوريّة المحكمة لا
تكون فقط بالتنصيص على
وجودها صلب
أحكام الدستور بل باستمرارها و تواصل
نشاطها بعد المصادقة
عليه و هي بذلك تؤسس لنظرية
جديدة قوامها شرعية الأمر
الواقع
بغضّ النظر عن النصوص
القانونية و قد جاء في
الحكم المذكور ردّا على
مسألة لا
دستوريّة المحكمة
"فإنّ
قيام تلك المحاكم بوظائفها
منذ صدور مجلة المرافعات
و العقوبات العسكريّة
و تتابع
التنقيحات التي أدخلت
عليها و آخرها التنقيح
الذي شمل العديد من فصولها
بموجب
القانون عـ23ـدد لسنة 1989
... يمثل تكريسا من المشرّع
و دليلا فعليّا و قانونيّا
على وجود تلك الجملة و
المؤسسات المبينة بها
و أهمّها المحاكم العسكريّة
إذ لا
يتصور من المشرع أن يدخل
تنقيحات متتالية على
قانون يعتبر معدوما بموجب
الدستور..."(نصّ
الحكم عدد76111 ص139) و قد أكد هذا
التعليل جديّة ما تمسّك
به لسان الدفاع في هذه
النقطة بالذات لأنّ دستوريّة
القانون أو المؤسسة لا
تثبت بوجودها على أرض
الواقع
أو بإدخال تحويرات عليها
بل تثبت من خلال تطابقها
مع أحكام الدستور و مقتضياته
و
إلا أضحت محكمة أمن الدولة
محكمة دستوريّة و أضحى
في حلها مساس بأحكام الدستور
و
قس على ذلك كل القوانين
المعمول بها و التي تحوّر
و تعدّل في كلّ دورة تشريعيّة
مرّات عديدة من مثل قانون
الجمعيّات و
الأحزاب و الصحافة و غيرها
إذ العبرة في ذلك ليس بالوجود
من عدمه لأنّ الوجود يمكن
أن يكون خارج إطار الدستور
و القانون بل العبرة بخضوعها
للمعايير التي ظبطها
الدستور و لأحكامه
و مقتضياته.
2.9- محكمة إستثنائيّة
تمسّك
المحامون بأنّ المحكمة
العسكريّة محكمة إستثنائيّة
وهي إستثنائيّة في
تركيبتها و في تعيين
قضاتها و السهر على
سير العمل فيها و في صلوحيّاتها.
و إذا كانت مبادئ الأمم
المتحدة الأساسيّة
بشأن استقلال السلطة
القضائيّة قد أكدت أنّه
" لكلّ فرد الحق في أن يحاكم
أمام المحاكم العاديّة
أو الهيئات القضائيّة
التي تطبق الإجراءات
القانونيّة
المقرّرة و لا يجوز إنشاء
هيئات قضائيّة لا تطبق
الإجراءات القانونية
المقررة حسب
الأصول و الخاصة بالتدابير
القضائيّة لتنتزع الولاية
القضائيّة التي تتمتّع
بها
المحاكم العاديّة أو
الهيئات القضائيّة..."
فإنّ المحكمة العسكريّة
جاءت لتخرق المبادئ المذكورة
على كلّ المستويات ذلك
أنّه و
عملا بأحكام الفصلين
10 و 11 من مجلة المرافعات
و العقوبات العسكريّة
تتركب هيئة
المحكمة من خليط من القضاة
العدليين و القضاة العسكريين
و العسكريين
المباشرين إذ اقتضى المشرع
أنّه يرأسها قاضي عدلي
في حين يكون أعضاؤها
عسكريّون مباشرون بالوحدات
و المحاكم العسكريّة
على أن يكون نصفهم من ضباط
القضاء
العسكري و هو ما يخوّل
لعسكري لا ينتمي لهيئة
القضاء العسكري و ليس
له أيّ تكوين
قانوني معمّق أن ينتصب
لإصدار الأحكام في قضايا
معقدة و خطيرة و يجوز في
بعض
الحالات حسب الفصل 11 أن
يكون كل المستشارين من
الضباط العاملين الذين
لا علاقة
لهم بالقضاء العسكري
مطلقا. و يعيّن القضاة
من السلك العدلي لرئاسة
المحكمة
العسكريّة أو دوائرها
بأمر بناءا على إقتراح
من وزيري العدل و الدفاع
وهو
ما ينهي دور المجلس الأعلى
للقضاء في أحكام ترشيح
القضاة و توفير الضمانات
لهم طبق
أحكام الفصل 66 من الدستور
في حين يعيّن المستشارون
من طرف وزير الدفاع الوطني
وهو ما يكرّس هيمنة السلطة
التنفيذية على تركيبة
المحكمة و سير عملها على
خلاف
المحاكم العاديّة كما
يؤكّد الصيغة الإستثنائيّة
لتركيبتها و سير العمل
فيها حتى
في زمن السلم و لولا الصبغة
المذكورة ما كان لغير
القاضي (سواء من هيئة القضاء
العدلي أو العسكري) أن
ينتصب ليفصل بين الناس
و يحكم بينهم و الحال أنّه
لا يتوفّر
على التكوين الأدنى الذي
يخوّل له ذلك و قد جاء الفصل
9 من مجلة المرافعات و
العقوبات العسكريّة ليزيد
من حدّة استثنائيّة هذه
المحكمة بما خوّله لها
من حقّ
تقدير ما إذا كانت القضيّة
راجعة لها بالنظر أم لا
و اقتضى أنّ كلّ خلاف في
شأن مرجع النظر يحال إلى
السلطة القضائيّة العسكريّة
لتفصل فيه وهو ما يتناقض
مع
مبادئ الأمم المتحدة
الأساسيّة بشأن استقلال
السلطة القضائية التي
أكدت عدم جواز
إنشاء هيئات قضائية لا
تطبق الإجراءات القانونية
المقررة كما منع تخويل
الهيئات
المذكورة إنتزاع الولاية
القضائيّة من المحاكم
العاديّة كما أنّ هيمنة
المحكمة
العسكريّة على كلّ خلاف
في شأن مرجع النظر تتناقض
مع الفصل 65 من الدستور إذ
جعل
الفصل 9 من مجلة المرافعات
و العقوبات العسكريّة
للمحاكم العسكريّة سلطانا
على القضاة
العدليين حتى و لو كانت
قراراتهم مخالفة لأحكام
القوانين الجاري بها
العمل.
3.9- محكمة غير مختصّة
تمسّك المحامون النائبون أمام المحكمة العسكريّة
سنة 1992 بعدم إختصاصها في
النظر في القضايا
المتعلقة بأمن الدولة
الداخلي أو الخارجي و
التي كانت قبل صدور القانون
عدد 79
لسنة 1987 المؤرخ في 29/12/1987 و المتعلق
بحذف محكمة أمن الدولة
من اختصاص هذه
المحكمة التي أحيلت بحلها
كلّ صلاحيّاتها إلى المحاكم
العدليّة علاوة أنّ الفصل
5
من مجلة المرافعات و العقوبات
العسكريّة نصّ صراحة
أنّه يمكن في حالة استثنائيّة
منح المحاكم العسكريّة
بموجب قانون خاص حق
النظر في جميع أو بعض
الجرائم المخلة بأمن
الدولة الداخلي أو الخارجي
وهو ما يؤكد بصفة قطعية
خروج النظر
في هذه الجرائم عن اختصاص
المحاكم المذكورة التي
ربط المشرّع منعها حق
النظر بموجب
قانون خاص و هو ما لم يتوفر
في قضية الحال كما أنّ
الفصل 6 من نفس المجلة اقتضى
أنّه و في حالة تتبع نفس
الشخص من أجل جريمة من
اختصاص المحكمة العسكرية
و من أجل
جريمة أخرى من اختصاص
المحاكم العاديّة فإنّه
يحال أو لا على المحكمة
التي تنظر في
الجريمة المستوجبة لعقاب
أشدّ وهي في قضيّة الحال
جريمة الفصل 72 من المجلة
الجنائية التي تستوجب
الإعدام و التي
تختص
بالنظر فيها بعد حلّ محكمة
أمن الدولة المحاكم العاديّة
لا المحكمة العسكريّة.